السيد أحمد الهاشمي
14
جواهر البلاغة
وأما باعتبار البديع فلا يقال إنه فصيح ولا بليغ ، لأن البديع أمر خارجي يراد به تحسين الكلام لا غير . إذا تقرّر ذلك ، وجب على طالب البيان أن يعرف قبل الشروع فيه معرفة معنى « الفصاحة والبلاغة » لأنهما محوره ، وإليهما مرجع أبحاثه . فهما الغاية التي يقف عندها المتكلم والكاتب ، والضالة التي ينشدانها . وما عقد أئمّة البيان الفصول ، ولا بوّبوا الأبواب ، إلا بغية أن يوقفوا المسترشد على تحقيقات ، وملاحظات وضوابط ، إذا روعيت في خطابة أو كتابة بلغت الحدّ المطلوب من سهولة الفهم ، وإيجاد الأثر المقصود في نفس السّامع ، واتّصفت من ثمّ بصفة الفصاحة « 1 » والبلاغة .
--> بليغا ، إذ هو مقيم الحروف وليس لها قصد إلى المعنى الذي يؤديه ، وقد يجوز مع هذا أن يسمى الكلام الواحد فصيحا بليغا إذا كان واضح المعنى سهل اللفظ جيد السبك غير مستكره فج ، ولا متكلف وخم ، ولا يمنعه من أحد الاسمين شيء لما فيه من إيضاح المعنى وتقويم الحروف . واعلم أن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين . وإنما كان ظاهرا بينا لأنه مألوف الاستعمال وإنما كان مألوف الاستعمال بين النابهين من الكتاب والشعراء لمكان حسنه . وحسنه مدرك بالسمع . والذي يدرك بالسمع إنما هو اللفظ لأنه صوت يتألف من مخارج الحروف ، فما استلذه السمع منه فهو الحسن ، وما كرهه فهو القبيح ، والحسن هو الموصوف بالفصاحة ، والقبيح غير موصوف بالفصاحة ، لأنه ضدها لمكان قبحه . ( 1 ) . يرى الإمام عبد القاهر الجرجاني وجمع من المتقدمين أن الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة ، ألفاظ مترادفة لا تتصف بها المفردات ، وإنما يوصف بها الكلام بعد تحري معاني النحو فيما بين الكلم حسب الأغراض التي يصاغ لها . قال أبو هلال العسكري في كتاب الصناعتين : الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد ، وإن اختلف أصلاهما ، لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له . وقال الرازي في نهاية الإيجاز : وأكثر البلغاء لا يكادون يفرقون بين الفصاحة والبلاغة . وقال الجوهري في كتاب الصحاح : الفصاحة هي البلاغة .